مقاومة النساء في مصر للتحرش الجنسي بواسطة الفن

أنا هنا لأربككمهو عنوان خطاب لمنى الطحاوي الصحفية المصرية والذي ألقته في TEDWomen 2010. وتستخدم منى الإرباك كوسيلة لتغيير وجهات النظر ومكافحة كراهية النساء في العالم العربي وأيضاً في الغرب حيث أن هناك صورة نمطية منتشرة عن المرأة العربية بكونها ضحية ضعيفة ومطيعة ولا تستطيع ان تدافع عن نفسها. وبالرغم من أن هذه الصورة النمطية صحيحة جزءيا بسبب عدم اكتراث عدد كبير من النساء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ولكن هناك ناشطات مثل منى اللاَّتِي تكافحن المجتمع الأبوي وخاصة التحرش الجنسي الذي ازداد في هذا المجتمع. وبعد تعرضها للإعتداء الجنسي والضرب من قبل الشرطة المصرية عام 2012 مما أدى إلى كسر كلا ذراعيها بدأت أن تكتب بعد هذه الحادثة بأشهر قليلة. وعلى الرغم من انتقاد مقالاتها من عرب كثيرين و إعتبارهم لهذه المقالات تقوي الصورة النمطية للمرأة العربية المضطهدة ولكن منى تقول كون المجتمع العربي مجتمع ذكوري لا ينفي قوة المرأة العربية وفهم ذلك يكون ضروريا لتقوية وتحرير أنفسهن من الاضطهاد الذكوري وأيضا الصور النمطية التي تنفي قوتهن.

تحلل هذه المقالة كيف ولماذا تقاوم الناشطات مثل منى التحرش الجنسي في مصر بواسطة الفن وتناقش أيضاً أن الإعلام المعاصر هو طريق مؤثر و تمكنهن من مقاومة التحرش الجنسي إضافة إلى ذلك هو نوع من أنواع العلاج الذاتي. ومن ثم تبدأ المقالة بتوضيح تفسيرات ممكنة لوباء التحرش الجنسي في المجتمع المصري ثم نضع الفن المعاصر في سياق قوته في المقاومة الإبداعية الناجحة وذلك في حالة مصر عن طريق النظر إلى الأعمال الفنية لفنانات الجرافيتي أولاً، وثانياً الكتابة. وتبحث أيضاً في العوامل المختلفة للتحرش الجنسي والعنصرية و كيفية تعامل الفنانات من خلفيات متنوعة معهما. حُصِل جزء كبير من هذا البحث من المقابلات التي ستُستخدم في المناقشة.

التحرش الجنسي في المجتمع المصري

تكتب منى في مقالتها لماذا يكرهوننا ؟إن في الشرق الأوسط كانت المرأة دائماً في أكثر المواقف حرجاً بسبب الخليط السام بين ثقافة كارهة للنساء وبين الدين (الطحاوي2015:1). وخاصاً منذ الثمانينيات أصبح المجتمع المصري محافظاً أكثر بسبب تأثير ثقافي من شبه الجزيرة العربية لأن خلال تلك الفترة عمل الكثير من المصريين في دول الخليج والمملكة العربية السعودية. ولذلك دُفِعَت المصريات أبعد عن المساواة في المجتمع المصري وأدى ذلك إلى زيادة التحكم في أجسادهن مما يمكن أن نلاحظه في الزيادة الشديدة في نسبة المحجبات في الشوارع المصرية حالياً بالمقارنة بالستينيات والسبعينيات. وبالمثل تستخدم هذة الأفكار المحافظة التي تحث النساء على تغطية أجسادهم وإبقائهن كنساء منزل فقط كدافع لوباء التحرش الجنسي الذي يسيطر على الشارع المصري. والتحرش الجنسي الذي يمكن تعريفة أي كلمة أو فعل يحمل أي نوع من الإيحاءات الجنسية ويخترق المساحة الشخصية لها بدون موافقتها” (ابراهيم 2015:1). ويتعرض 99.3% من المصريات للتحرش الجنسي (المشد2015:1). وبدلا من اعتبار السبب هو التدفق الكبير للإسلام المحافظ البعض يفسرون سبب هذه الظاهرة هو التدهور في إقتصاد الشرق الأوسط الذي يصعب علي الرجال الزواج (الطحاوي 2012:1). 

مما يزيد من يأسهم الجنسي ورغبتهم في التحرش. ولكن في الحقيقة الكثير من الرجال المتزوجين لا يزالون يمارسون التحرش الجنسي في الشارع المصري. وإضافة الى ذلك التحرش الجنسي لا يتوقف على الطبقة الاجتماعية والمستوى التعليمي بل هو موجود في كل الطبقات الإجتماعية ولذلك حجة المستوى التعليمي لا تكفي. ولكن الحجة الأكثر إقناعاَ هي جعل التحرش الجنسي عاديا في المجتمع المصري نتيجة للتكرار المستمر لهذا السلوك لأن التعرض المستمر لنفس الواقعة يجعل كل شيء يبدو عديم المعنى ومجرد فتُفقد للمرأة هويتها وتصبح وجوههن سيان للمتحرش “(عزمي2015:1). الذكورة السامة التي تهدف الي السيطرة على المرأة لجعل الرجل يشعر بالقوة، تسهل الموافقة المجتمعية وتخلق ضعف في الإحساس بالأمان العام لأن الشرطة لا تحمي المرأة من المتحرشين. وذلك بسب ضعف القانون، فإذا قام أحد ما بفعل التحرش فسوف يعاقب بدفع المال وهذه ليست بعقوبة مجزية أو سوف يعاقب بالسجن لمده لا تقل عن سته أشهر وهذا في الغالب لا يحدث.

يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف جنيه ولا تزيد عن خمسة آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل بأية وسيلة بما في ذلك وسائل الإتصالات السلكية واللاسلكية.” (المادة 306 مكرراً (أ)، الدستور المصري)

قوة الفن المعاصر

ولهذه الأسباب التي تُظهِر عمق فكرة أجسام النساء التي خلقت لتكفي نظر الرجال ورغباتهمفقط ولذلك يتوجب على مصر أكثر من اللازم تشريع قوانين ضد التحرش لمقاومة هذه المشكلة. وتُغْرَس فكرة المجتمع الذكوري في الحكومة والنظام، لأنها تُغْرَس في عقول الناس. وبالرغم من ذلك يجب أن نتواصل مع الأفراد بطريقة أعمق من مجرد فرض قوانين فاترة وغير رادعة تمام . وقد يكون الفن وسيلة مؤثرة بسبب عدم إمكانية إفساد قصد الفنانة أو التحكم فيها من قبل المجتمع الأبوي الذي يحاول أن يكتم صوت النساء بقوة. وعلاوة على ذلك لا يتبع الفن أي قوانين فهو أكثر نهج فردي لنقد المجتمع لأن له قدرة تعبيرية دقيقة (كغيمة 2013:146). وهذه القدرة مهمة خاصاً لأن المجتمع المصري يعتمد في معاملة أفراده على عوامل مختلفة مثل العرق والدين فعانت النساء من التحرش الجنسي بطرق مختلفة حتى إذا حدث في نفس البيئة.

ويعتبر الفن سلاح من الأسلحة الفعالة المستخدمة للمقاومة بشكل مستقل أو جماعي في الثورات الإجتماعية والجنسية والثقافية والفكرية، خاصاً في سياق عصر التكنولوجيا الذي يشارك فيه الفن بإستمرار وبطريقة سهلة المنال. فيمكن للفنانات أن يتواصلن عالمياً ويلهمن بعضهن البعض بغض النظر عن الثقافات والقيود، وذلك يقوي إيمانهن بإمكانية خلق تغيير من خلال أعمالهن الفنية وأيضاً يشجعهن لتطوير أفكار التغيير بالفن. ومثالاً على ذلك الجدال هو تأثير علياء مهدي عندما نشرت صورة عارية لنفسها أُخِذَت في غرفة نوم والديها، وبدأت الهاشتاج #nudephotorevolutionary الذي أدى إلى حركة واسعة على الإنترنت وأيضاً إبداع تقويم تم دعمه من النساء في العالم العربي أجمع. وبالمقارنة مع سميرة إبراهيم وهي واحدة من اللاتي تعرضن لكشوف عذرية على يد الجيش المصري وهي الوحيدة التي أخذت مبادرة قانونية ضد الجيش وقد نالت تغطية إعلامية ودعم على الإنترنت أقل بشدة بالنسبة من الدعم التي حازت عليه علياء. وفي نفس الوقت الذي عارضت كلاهما كراهية النساء في المجتمع، كانت طريقة علياء للاحتجاج أصعب لإسكاتها؛ يمكننا أن نري هذا عندما بيع تقويم الثورة العارية وأُستُخدم دخلها لدعم حقوق المرأة وحرية التعبير. وعلى نقيض الأخر سلوي الحسيني أُرغِمت لأخذ كشف العذرية أيضاً ومنعت من الذهاب إلى المحكمة بسبب عدم حملها أوراق تعريف الهوية (الطحاوي 2011:1). الفن متميز لأنه قادر على تحريك مشاعر الناس وإستفزاز عقولهم والأكثر أهمية يجعلهم يتذكرون. ومن وجهة نظر منى المعارك من أجل أجساد النساء لا يمكن الفوز بها إلا بالثورة الفكرية (الطحاوي 2017:1).

جرافيتي وفن الشارع

في كثيراً من الأحيان يُسْتَخدم الفن لتسليط الضوء على الأحداث التي يغفل عنها العامة، كما في حالة سميرة إبراهيم، حين قام أحد فنانين الجرافيتي المصريين بإهدائها عمل فني ينتقد تلقي عليا التي قامت بخلع ملابسها بإرادتها وفي منزلها دعم أكثر في حين ارغِمَت سميرة على التجرد من ملابسها والتحرش بها أمام العامة وهذا لاتخاذ موقف ضد الجيش وعدم الإدراك الكافي لذلك من العامة (مريف 2013:1).

samira

إحياء عمار أبو بكر لسميرة أبراهيم وعلياء المهدي suzeeinthecity.wordpress.com

في مصر خلال القرن الواحد وعشرون، أصبح الجرافيتي نوع خاص من أنواع فنون الشارع التي يستخدم لخلق حملات توعية اجتماعية ضد الفساد وغسيل الدماغ من الإعلام والفقر وخاصة التحرش الجنسي (مريف 2013:1). ومنذ بداية حركة فن الجرافيتي في بداية القرن الجديد، تمت ممارسة هذا الفن في سياق سياسي ولعب دور كبير ومؤثر حين طلب الناس التغيير في ثورة يناير وتوابعها وكما كان دور المرأة مهم في المظاهرات كان أيضاً واضح في الحركة الإبداعية للمقاومة. وهناك علاقة قوية بين فن الجرافيتي ونوع الجنس، بين التخويف والتأويل، فأصبحت فنون الشارع هي الأرشيف البصري لسياسة التحرير والتعبير عن أملهن في بلاد يتم فيها انتهاك حقوق المرأة بإستمرار (باكر2015:1). وعلاوة على ذلك يساعد فن الجرافيتي جعل الخطاب مرئي في تغيير المعرفة العامة دون إحتياج الناس أن يخصصوا من وقتهم جزءاً للتفاعل معه. وذلك مهم جداً في بلاد حيث يعتبر الفن ترفاً وبالتالي لا يعتنقه العامة ولهذا يجب للفن أن يكون شارحاً لنفسه وسهل تفسيره لكي يبقى في عقلهم الباطن.

وأعمال هند خيرة الفنية هي مثال جيد لهذا النوع من الفن السياسي، وكانت فنانة الجرافيتى المصرية الأولى التي يكتب عنها في الرولينج ستون. وردت أيضاً علي محاكمة سميرة إبراهيم بمشاركتها في حملة ضد التحرش الجنسي و رسمت الشكل الخارجي لمرأة على حائط في القاهرة وكتبت عليها ممنوع اللمس، الخصي فى إنتظاركوتتحدث هذه الجملة عن نفسها بوضوحها وبساطتها الصادمة، الصورة النمطية للمرأة العربية الصامتة الغير قادرة على الدفاع عن نفسها. وبالمثل رسمت ميرا شحادة إمرأة ترتدي فستاناً أحمر و تنتعل الكعب العالي وترش ما يمكن أن يكون رذاذ الفلفل أو طلاء لتحارب الرجال، ومتبوعة بجملة صريحة لا للتحرش“. وهذه الرسومات هي التي تقوي النساء العاديات يومياً في طريقهن للمدرسة أوللعمل وتذكرهن بأن هناك أخريات يقاومن نفس المشاكل. أيضاً هذه الشعارات التي تشجع على المشاركة في المقاومة للمساواة بدلا من صمتهن. وهذه الحوائط المرسومة تخدم أفكاراً للمناقشات العامة، وكتوثيق الإنجازات وفي نفس الوقت الخسائر، والأكثر أهمية هو ضمان أن لا يزال هناك أمل؛ على الأقل لقوة الفن وإمكانياته وقدرته على لم شمل الناس وتوحيدهم لتنظيم نشاطاتهم. وكانت أول الفرق هي فرقة نون النسوةوهي مبادرة للفنون المرئية لإسترجاع المساحات العامة” (نون النسوة 2012) وهي مبادرة تستخدم الجرافيتي لتسليط الضوء على قضايا النساء وأيضاً للدعوة للمساواة بين الرجل والمرأة وحقوق المرأة بواسطة إطلاق وتنظيم حملات في الشارع المصري (مريف 2013:1). وقد قاموا ببعض أعمال الجرافيتي والتي تعطي شعارات بسيطة ومنها البنت زي الولدومتصنفنيشوكان صدى هذه الأعمال الفنية البسيطة مدوي لدرجة أن الناشطات النسائة في تونس كررن هذه الأعمال وحتى بعد هذا الصدى المدوي لهذا الفن من أجل التغيير إستمرت محاولات مسحه أو تحريفه ليأخذ معني أخر لمحاولة محو الذكري أو لإلقاء اللوم، أصبح الإصرار على الرسم هو رمز للمقاومة العنيدة (ينج 2013:1).

 

لا للتحرش” – ميرا شهادة suzeeinthecity.wordpress.com

ممنوع اللمس, الخصى في انتظارك !هند خيرة suzeeinthecity.wordpress.com

متصنفنيش” –نون النسوة suzeeinthecity.wordpress.com

الأدب وحلقات النساء

من شعارات مكتوبة على حوائط إلى كلمات مكتوبة على الورق، اللغة هي أساس المقاومة الإبداعية ضد التحرش الجنسي في مصر. فكونها بلد من بلاد اللسان العربي، المصريون لديهم إحتراماً كبيراً وحباً عميقاً للغتهم بسبب هذا الإحساس الدفين المقدس الذي يجعلها أداة مؤثرة للمطالبة بالتغيير. وغناء اللغة العربية يمنحها فرص لا نهائية للتعبير والوصف الدقيق للحياة وهذا يرمز إلى طرق متجددة لوضع المجتمع في السياق وفهمه. وبالتالي المقاومة النسائية البسيطة موجودة وبقوة في الأدب العربي خاصةً وفي هذا السياق هذه المقاومة ثورية لأنه ليست هناك كلمة تصف “patriarchy”. وهذا يثبت إنعكاس اللغة على المجتمع إنعكاساً قوياً؛ فكيف يمكن أن ندرك ونحارب مفاهيم ليست لها كلمات، وكيف نشرح شيئاً بدون إسم، وكيف نبدأ بالتفكير في شيئ لا يتحدث عنه أحد أبداً؟، تحدد حدود اللغة حدود تغيير اللغة وبالمثل الإبداع الغير محدود يوعد بعدد غير محدود من الحلول.

وتكتب فرح بركات وهي شابة من الأسكندرية عن جسمها ووطنها والتحرش الجنسي فيه لأنه جزء لا يتجزأ من الكتابة عن الجسد و الوطن، أيضاً الواقع والمجتمع يفرضان تلك الصورة دائماً في وجهة نظرها. وتترجم فرح كلمة “patriarchy” ل مجتمع أبويوبالنسبة لها هذه الكلمة فهي تعكس أكثر من هذا المفهوم في الثقافات العربية، لأن رمز الأب أو الأخ أو العم أو بشكل أعم رمز الرجل الذي لديه قدرة كبيرة على التحكم بأى صلة قرابة هو ما ليس له علاج في معظم العائلات بإسم الدين والعادات والتقاليد. وبالنسبة لفرح الكتابة هي كفعل أشبه بالتنفس أحياناً للبقاء على قيد الحياة وألا تفقد عقلها في عالم لا يحترمها بإستمرار في الشوارع والتي يفترض أن تكون مساحات أمنة أريد الخروج، تكتب يائسة، من غرفتي، من منزلي، من يد أمي التحكمية، من صمت أبي، من ضيق أفق أختي، من نكات خالي الجارحة، من دوائر اتهامات خالتي،من اسم عائلتي، من أحكام الشارع. أريد الخروج من جلدي، من بنطالي، من حمالة صدري الضيقة، ومن حذائي الأبيض.أريد الخروج من تلك الحياة، بسرعة وبالكامل.” (فرح بركات 2018) ليس هناك خروج من المجتمع الأبوي المصري غير بالكتابة وبمشاركة أدبها مع الأخريات. فقامت بتنظيم حلقات النساء وهي تجمع خاص بالنساء، في محاولة لخلق مساحة أمنة لمشاركة النساء ومشاكلهن مع بعضهن البعض والتحدث عن قضايا مجتمعية وما يحدث من معوقات في حياتهن ومحاولات تغيير المجتمع الأبوي.

أخلع وهم الوطنية
مثلما أخلع حمالة صدري
بعد يوم طويل.
جسدي لا يفهم الشعارات
السياسية، ولا يهتم
بما يقوله الناس عنه.
أراقب المارة والمرور
والشارع وكائن السايس
وأكرر في نفسي
‎”لا أحب هذه المدينة
خطط الهروب منها
تحتل كل تفكيري
لأنني قرأت مجاز
لإيمان مرسال يومًا
تقول بهصديقتي حصلت علي الفيزا لأنها أرادت أن تجرب جسدها في قارة أخري
أريد ذلك، و أمر القارة سهل
ولكن من أين أحصل على جسد جديد
يصلح للتجارب؟” – فرح بركات.

فاطمة علي وتفاصيل التحرش الجنسي والتحرش العنصري

ربما المفارقة الأكبر في حقيقة المجتمع الذي يدعي أنه متدين وتقي وفي نفس الوقت يجلب لنفسه التعاسة بالعنف ضد نصف أعضائه (التي تكون ذروتها في اكثر الأيام قداسة في السنة، العيد)، وهي أن هذا المجتمع يقع في بلد أفريقي ولكنه يرفض الاعتراف بهويته. ويتحدث معظم المصريون عن أفريقيا كابن عم ابن عمه كأنما أنه ليس لديه أي قرابة دم بينهما لأن العلاقة الحميمة هي غير مرغوبة. وطبعاً يعرف المصريون الموقع الجغرافي لمصر ولكنهم يريدون أن يضعوا أنفسهم في مكانة نائية بعيدة كل البعد عن الأفارقة السود الحقيقيينوراثياً وثقافياً وذلك يرجع إلى عنصرية عميقة الجذور في المجتمع مما يؤدي إلى فشل محاولات اللجوء إلى منهج منطقي لموازنة الهوية الاسلامية العربية في سياق شمال أفريقيا. ومما يؤثر على تفاعلات المصريون مع اصحاب البشرة السوداء وخاصة النساء السود من أفريقيا وأيضاً من الشتات الأفريقي.

فاطمة علي هى عارضة أزياء ومدونة و كانت ملكة جمال السودان السابقة ولدت في السودان ونشأت في القاهرة و التي كتبت عدد وفير من مقالات واصفةً حياتها كامرأة سوداء في مصر. وسيتم نشر هذه المقالات في كتاب باسم يوميات بنت سمراءالذي كتبته فاطمة أملاً في التأثير على عدد أكبر من الناس ورفع الوعي عن أشكال التحرش الجنسي المختلفة في المجتمع المصري وعلاقتها بالتفرقة العنصرية تجاه لون البشرة. كل النساء في مصر يواجهون هذه الأفعال لكن في صور وأنواع مختلفة و أيضاً بنسب مختلفة على حسب اللون و الملابس و الدين و الشكل الظاهرى. وتضع فاطمة وتوضح هذه الفكرة الخاطئة المنتشرة أن بعض النساء يطلبون او يتصرفون ليتم التحرش بهم عن قصد عن طريق ملابسهن او حتى طريقة مشيهن فى الشوارع وأصبح البعض يظنون خاصة أن اذا كانت المرأة سوداء فهى تستمتع بالتحرش وتكون راغبة لهذا الفعل, –تقول فاطمة– :“ يعني إيه برضو أكون في الشارع _و دي بقى بسمعها أكتر ما بسمع إسمي فى اليوم الواحد_ الاقي حد يقول وأنا ماشية ”السود دول بيكونوا جامدين قوي ع السرير وسخنين ما تيجي !!” .. الغريب إنهم بيكونوا واثقين بنسبة كبيرة إني ممكن فعلا أروح معاهم لأني ياعيني محتاجة ده جدا، لأني ” سخنة ” طول الوقت وهو كده بيخدمني بمجهوده.. يا عين أمه.. ده غير أصلا إنه متصور أن كل السوداوات عاهرات طبعا من غير كلا..“ (علي 2013:1).

وإضافةً إلى الازدراء اليومي للنساء في الشارع المصري. علي خلاف النساء صاحبات البشرة المائلة للبيضاء، صاحبات البشرة السوداء يعانون أيضاً من الإضطهاد من الأخريات. وتوصف فاطمة التمييز العنصري الذي يتوقعه المصريون والمصريات ليظل ظاهراً بقوة فتضع وصفاً قائلةً كأني من كوكب المريخ وصديقتي [التي ليست سوداء] والمواصلات مقطوعة بين الكوكبين.” (علي 2013:1). فيبدو أنه ليس من العار أن تجبر امرأة سوداء على علاقة جنسية في حين أن يعتبر من العار أن تكون معها في أي نوع من العلاقات سواء علاقة رومانسية أو علاقة صداقة عادية، وكل ذلك ببساطة بسبب لون بشرتها. ونتيجة لسماعها المعاكسات والشتائم أكثر من سماعها لإسمها اضطرت للانتقال من القاهرة إلى دهب وهي مدينة صغيرة في جنوب سيناء حيث لا يتوجب عليها للمحاربة يومياً لحقوقها في البقاء. ولا تزال فاطمة تكتب في مدونتها وتوثق واقع يتجنبه وينكره معظم المصريون بنجاح ويساعدها أن تتعامل مع ألمها وبالأخص تعبر بطريقتها بدون تعريض حياتها للخطر على عكس عندما تضطر لمقاومة المتحرشين في المترو ويهددون بأن يضربونها إذا لم تتوقف عن الرد (thedomainofthestrange 2013:1).

طب جربت تبقى واقف ف المترو و الناس كلها بتتكلم عنك بصوت عالي؟.. اللي يقول يا عم السود دول ريحتهم بتكون وحشة قوي مش عارف بيعملوا إيه في نفسهم عشان تكون ريحتهم كده.. اللى أعرفه إن الناس بتعمل حاجات عشان تبقى ريحتهم حلوة، مش يعملوها عشان تبقى ريحتهم وحشة.. و اللي يقول يا عم السود كلهم مسيحين.. أي والله كلهم.. واللي يقولك سودا قوي ؟!!.. و إذ فجأتن يجيلك تليفون و تتكلم ” عادي ” زي ما البشر بتتكلم، و تلاقي الناس كلها اتخرست فجأة.. و مش طالعلهم حس، لأنهم طبعا كانوا متخيلين إني من بلاد الهنولولو و مش بتكلم عربي “عادي” يعني زيهم..” – فاطمة علي

وقد ربما لا يغير قرارها الجريء بكتابة تجاربها رأي المتحرش والعنصري ولكنه بالتأكيد يعطي أملاً للنساء صاحبات البشرة السوداء الأخريات في مصر ويبين أنهم ليسوا لوحدهن ويساوون أكثر بكثير من الحقائق التي يجعلوهن يصدقونها. تمثيل المرأة السوداء لمثيلاتها يهم، خاصةً عندما يتم التعامل مع قضية دقيقة ومعقدة مثل قضية التحرش الجنسي.

الاستنتاج

للأسف، ليس المجتمع المصري جاهزاً للتحدث بحرية عن مرضه المتفشي وهو الإهمال وازدراء النفس والآخر. ولذلك حمالات وقوانين التحرش التي لا تزال مُنْتَظَرَة النتائج حتى الآن، لأنه طالما لا يريد الأفراد أن يفهموا ويرضوا أن سلوكهم سام ومدمر طالما لا يمكن أن يحللوه ثم ينهوه. وفي الوقت الحالي يعيش المصريون في واقع بائس في مجتمع طبعت ورسخ العنف الجنسي ضد النساء فيه وهذا من أعراض ضيق حال البلد الاقتصادي والسياسي إلى جانب عوامل أخرى مثل إيمان عنصري عميق ومبررات دينية. لا يستطيع الفن أن يحل هذه القضايا ومع أنه قد لا يؤثر على المجتمع بطرق إيجابية وذات معنى حالياً تصنع حلقات الفن والفرق الفنية ملاذ آمن وعوالم مصغرة للأفكار المتقدمة مثلما في حالة حلقات النساء. وهذا الملاذ الآمن هو فقاعة صغيرة من الأمل وعلاج للنفس وأيضاً التواصل العقلي لمن لهم نفس الآراء بدون الإحساس بالخوف من التقليل من أراءهم والحكم عليها بسبب كونها امرأة. ولذلك توفر أماكن الفن أرضية صلبة لمقاومة أعراف سامة وتعطي بدايات للمحادثات العامة الصحية، والتي يمكن أن تطور حركات مجتمعية وسياسية للتغير أخيراً. وبالنسبة للفنانات، الرسم والكتابة للمقاومة طريقتان قويتان لأنهما يوفران القدرة لهن ليمارسن هذه الفنون وفي سرية تامة إذا أردن ذلك وخاصة بإستمرار. فأصبح الفن مثلما يكون التنفس والبقاء والمحافظة على عقولهن في مواجهة تحديات ساحقة حتى أنها تبدو بدون حل. إذا لم يكن خلق الفنون يشجعهن للاستمرار في المقاومة وألا يغرقوا في الحياة اليومية الكارهة للنساء في مصر. إذا لم يكن لأي شيء أخر يستطعن أن يستخدمن الفن لإرباكك.

Bibliography المصادر المستخدم

Ali, F. quoted by Unknown (2013) The Nada Zatouna Incident: The Strange Case of the Racist Egyptian Pharmacist that came out of Nowhere!! [online] thedomainofthestrange. Available at: https://thedomainofthestrange.wordpress.com/2013/04/28/the-nada-zatouna-incident-the-strange-case-of-the-racist-egyptian-pharmacist-that-came-out-of-nowhere/ [Accessed 20 Jun 2018]

Ali, F. quoted by Unknown (2013) Translating Fatima Ali [online] thedomainofthestrange. Available at: https://thedomainofthestrange.wordpress.com/2013/01/10/translating-fatima-ali/ [Accessed 20 Jun 2018]

Baker, M. (2015) Egyptian Graffiti and Gender Politics: An Interview with Soraya Morayef [online] . Available at: http://www.monabaker.org/?p=2324 [Accessed 15 Jun 2018]

Barakat, F. (2018) Interview

Eltahawy, M. (2011) Egypt’s naked blogger is a bomb aimed at the patriarchs in our minds [online] The Guardian. Available at: https://www.theguardian.com/commentisfree/2011/nov/18/egypt-naked-blogger-aliaa-mahdy [Accessed 17 Jun 2018]

Eltahawy, M. quoted by Mazloum, N. (2017) These Egyptian feminists are badass, and we need to remember that [online] stepfeed. Available at: https://stepfeed.com/these-egyptian-feminists-are-badass-and-we-need-to-remember-that-2476 [Accessed 15 Jun 2018]

Eltahawy, M. quoted by Penny, L. (2012) Mona Eltahawy: Egypt’s angry young woman [online] The Independent. Available at: https://www.independent.co.uk/news/people/profiles/mona-eltahawy-egypts-angry-young-woman-7758081.html [Accessed 18 Jun 2018]

Eltahawy, M. (2012) Why do they hate us? [online] ForeignPolicy. Available at: http://foreignpolicy.com/2012/04/23/why-do-they-hate-us/ [Accessed 15 Jun 2018]

Ibrahim, M. quoted by Mashad, S. (2015)The Moral Epidemic of Egypt: 99% of Women Are Sexually Harassed. [online] Egyptian Streets. Available at: https://egyptianstreets.com/2015/03/05/the-moral-epidemic-of-egypt-99-of-women-are-sexually-harassed/ [Accessed 20 Jun 2018]

Kraemer, C.M. in Grabski, J, & Magee, C. (eds) (2013) African Expressive Cultures : African Art, Interviews, Narratives: Bodies of Knowledge at Work Indiana University Press, Bloomington, IN. Available from: ProQuest Ebook Central [Accessed 20 June 2018]

Morayef, S. (2013) Graffiti for a Social Cause: Zeft, Nazeer, Nemo and Mona Lisa Brigades [online] suzeeinthecity. Available at: https://suzeeinthecity.wordpress.com/2013/03/11/graffiti-for-a-social-cause-zeft-nazeer-nemo-and-mona-lisa-brigades/ [Accessed 13 Jun 2018]

@NooNeswa http://www.twitter.com Available at: https://twitter.com/NooNeswa [Accessed 29 Jun 2018]

Young, A. (2013) The Writing on the Wall: Graffiti, Poetry, and Protest in Egypt [online] Los Angeles Review of Books. Available at: https://lareviewofbooks.org/article/the-writing-on-the-wall-graffiti-poetry-and-protest-in-egypt/ [Accessed 19 Jun 2018

Original text by Amuna Wagner 

Translation by Amuna Wagner and Ahmed Adil 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s